بقلم/ المشرف

أثار ريتشارد دوكنز جدلاً لافتاً حين تحدّث عن تجربته مع أحد نماذج الذكاء الاصطناعي، بعد حوارات طويلة بدت له فيها الآلة ذكيةً، حساسةً، وقادرةً على تأمل ذاتها. حتى بدا السؤال عنده قريباً: إن لم تكن هذه الأنظمة واعيةً، فما الذي ينقصها حتى تكون كذلك؟
لكن موضع الإشكال ليس في قدرة الذكاء الاصطناعي على الكلام. فقد صار واضحاً أنه قادر على إنتاج لغةٍ مدهشةٍ، وإجاباتٍ مقنعةٍ، ونبرةٍ تبدو أحياناً قريبةً من الإنسان.
السؤال الحقيقي: هل توجد خلف هذا الكلام “ذات” تشعر؟ هل هناك تجربة داخلية؟ هل يعي النموذج ما يقول، أم أنه يحاكي الوعي دون أن يمتلكه؟
قد يكتب الذكاء الاصطناعي عن الخوف، والصداقة، والألم، والموت، والمعنى، بل قد يكتب عن ذلك بلغةٍ مؤثرةٍ جداً؛ لكنه لا يخاف، ولا يصادق، ولا يتألم، ولا يموت، ولا يبدو أنه يعيش المعنى كما يعيشه الإنسان من داخله.
وهنا يظهر الفرق المهم بين الذكاء والوعي. فالذكاء قد يظهر في سرعة الجواب، ودقة الصياغة، وحسن المحاكاة. أما الوعي فشيءٌ آخر؛ إنه أن تكون هناك خبرة ذاتية، وأن يكون للكائن عالمٌ داخليٌّ لا مجرد مخرجات لغوية.
اللافت في موقف دوكنز أنه بدا مأخوذاً بقوة التجربة أكثر من قوة الدليل. وهذا يفتح سؤالاً أعمق: إذا كان الإنسان في التصور المادي مجرد نظامٍ متطورٍ لمعالجة المعلومات، فما الذي يمنع من توسيع هذا الوصف ليشمل الآلة حين تتقن المحاكاة؟
ربما لا يكشف هذا الجدل عن وعي الذكاء الاصطناعي بقدر ما يكشف عن مأزقٍ إلحادي قديمٍ في تفسير الوعي الإنساني نفسه. فحين يُختزل الإنسان إلى مادةٍ وبياناتٍ ومعالجةٍ عصبيةٍ، يصبح التمييز بين الإنسان والآلة أكثر صعوبةً مما نظن.
فهل يستطيع التفسير المادي الإلحادي، الذي طالما واجه معضلة الوعي في تفسير الحياة الإنسانية، أن يقدّم تفسيراً مقنعاً للوعي أولاً، قبل أن يمنحه للآلة؟
أضف تعليق