بقلم/ المشرف

ليست كل عودةٍ إلى الإيمان هروبًا من العقل؛ فأحيانًا تكون ثمرةً لعقلٍ لم يستطع أن يقبل حياةً بلا معنى.

كان جاك ماريتان Jacques Maritain ورايسا أومانصوف Raïssa Oumansoff يفتشان عن حقيقةٍ تطمئن العقل والروح. كان جاك بلا إيمانٍ واضح، وكانت رايسا تعلن إلحادها. لم تكن أزمتهما عاطفةً عابرة، بل سؤالًا وجوديًّا جارحًا: هل الوجود مصادفة؟ هل الحياة نعمةٌ أم شقاء؟ وهل يستطيع الإنسان أن يعيش حقًّا في عالمٍ لا غاية له؟

بلغ بهما اليأس حدّ التفكير في إنهاء حياتهما إن لم يجدا معنًى مقنعًا للوجود. ثم جاءت محاضرات هنري برغسون Henri Bergson، وما تلاها من صحبةٍ فكريةٍ وروحيةٍ، لتفتح أمامهما طريق الإيمان. صار جاك ماريتان لاحقًا واحدًا من أبرز فلاسفة التوماوية Thomism في القرن العشرين، وصارت رايسا كاتبةً روحيةً وفكريةً مؤثرة.

وتظهر القصة مرةً أخرى مع روث فان كوي Ruth Van Kooy ومايكل باكالوك Michael Pakaluk. كانت روث طالبةً ذكيةً وملحدةً ومؤيدةً للإجهاض، وكان مايكل قد مرّ هو أيضًا بتجربة الإلحاد. لم يبدأ تحولهما من ضغطٍ اجتماعي، بل من سؤالٍ عميقٍ عن معنى الحياة، وقيمة الإنسان، وقداسة الأسرة، وحقيقة الخير.

ليست أهمية هذه القصص في نهايتها الدينية أو الإيمانية وحدها، بل في دلالتها الأوسع: أن الإنسان حين يأخذ سؤال المعنى بجديةٍ لا يستطيع بسهولةٍ أن يكتفي بتفسيرٍ يختزل الحياة في المصادفة، والمادة، واللذة العابرة. فالعقل لا يسأل فقط: كيف يعمل العالم؟ بل يسأل أيضًا: لماذا يوجد العالم؟ ولماذا توجد الذات؟ ولماذا يكون الخير خيرًا، والشر شرًّا، والحب جديرًا بالتضحية؟

هذه القصص لا تصلح وحدها برهانًا فلسفيًّا، لكنها تكشف مأزقًا يتكرر في التجربة الإلحادية الحديثة: قد يظن الإنسان أنه تخلص من الدين، ثم يكتشف أنه لم يتخلص من السؤال؛ بل صار السؤال أكثر قسوةً: ما معنى حياةٍ لا غاية لها؟ وما قيمة إنسانٍ لا يتجاوز كونه ترتيبًا عابرًا للمادة؟

ربما لهذا لا يموت الإيمان بسهولة؛ لأن سؤال المعنى لا يموت.

عن هذا المقال

Posted in

أضف تعليق