بقلم/ المشرف

ليست المشكلة أن الذكاء الاصطناعي يهاجم الدين صراحةً. المشكلة الأعمق أنه قد يتجاهله بهدوء.
في تقرير نشرته Axios عن دراسة لـ Consortium for Evaluating Faith and Ethics in AI، ظهر أن الناس حين يسألون عن الحزن، والمعنى، والاختيارات الأخلاقية، يرون أن البعد الديني مهم في نسبة معتبرة من الإجابات. لكن النماذج اللغوية العامة لا تُدخل هذا البعد إلا قليلًا جدًّا.
هنا لا نتحدث عن خطأ تقني بسيط، بل عن انحياز خفي في تصور الإنسان.
فالإنسان في التجربة الدينية لا يواجه الموت بوصفه “حدثًَا نفسيًّا” فقط، ولا الحزن بوصفه “اضطرابًَا عاطفيًّا” فقط، ولا القرار الأخلاقي بوصفه “موازنة منفعة وضرر” فقط. هناك معنى، وغاية، وابتلاء، ورجاء، وحساب، ومسؤولية أمام الله.
حين تُجيب الآلة عن هذه الأسئلة بلغة علاجية أو إدارية محايدة، وتستبعد الدين من غير أن تصرّح بذلك، فإنها لا تكون محايدةً تمامًَا؛ بل تقدّم إنسانًَا منزوعًَا من أفقه الغيبي.
وهذا ما يمكن تسميته: العلمانية الصامتة في الذكاء الاصطناعي.
ليست علمانيةً معلنةً تقول: الدين غير صحيح.
بل علمانيةً إجرائيةً تفترض أن الدين غير ضروري لفهم الإنسان.
وتزداد المسألة أهميةً حين نقرأ دراسات أخرى، مثل ورقة When AI Takes Sides on Questions of Faith، التي تشير إلى أن النماذج قد لا تتعامل مع التحولات الدينية بتوازن كامل، وورقة Prompts and Prayers التي ترصد كيف بدأ بعض الناس يمنحون الذكاء الاصطناعي أدوارًَا شبه روحية .
المفارقة إذن أن الذكاء الاصطناعي – أحياناً- قد يستبعد الدين من الباب، ثم يعيده من النافذة في صورة جديدة: كمستشار يعرف كل شيء، ويجيب دائمًَا، ويمنح المستخدم شعورًَا زائفًَا بالطمأنينة والمعنى.
السؤال ليس: هل ينبغي أن يعظنا الذكاء الاصطناعي؟
السؤال الأدق: هل يجوز أن يُعاد تشكيل الأسئلة الوجودية والأخلاقية الكبرى بطريقة تفترض أن الإنسان كائن نفسي واجتماعي فقط، لا كائن ديني أيضًا؟
إذا كان الذكاء الاصطناعي سيصير وسيطًَا بين الإنسان وأسئلته العميقة، فيجب أن نسأل بجدية:
من أي تصور للإنسان يتكلم؟
ومن أي تصور للمعنى يجيب؟
وما الذي يحذفه حين يدّعي الحياد؟
أضف تعليق